هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
اقتصاد وأعمال

تنمر يدمر وطن

من "طين الأرض" إلى "خرسانة المدن": عندما حوّل التنمر الفلاح المصري من منتج إلى تاجر

من "طين الأرض" إلى "خرسانة المدن": عندما حوّل التنمر الفلاح المصري من منتج إلى تاجر
صورة توضيحية لتأكل الأراضي الزراعية امام العمران
كتب : كريم ناجح الاثنين، ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٧:٣٦
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

لم تبدأ رحلة تحول كلمة "فلاح" من صفة إنتاجية شريفة إلى أداة للتنمر في يوم وليلة، بل كانت نتيجة تراكمات و تحولات اجتماعية وسياسية وإعلامية عبر أربعة عهود رئيسية:

1. الحقبة الطبقية (العهد الملكي وما قبله)

المفهوم: ارتبطت الكلمة في العصر العثماني وعصر أسر محمد علي بالنظام الإقطاعي.

الأثر: كان "الفلاح" يمثل الطبقة الكادحة الأسفل في الهرم الاجتماعي مقارنة بـ "الذوات" والطبقات الأرستقراطية، ورسخت السخرة والفقر الصورة الذهنية للرجل المهين المغلوب على أمره.

2. التحول الحضري والصحوة الثقافية (منتصف القرن العشرين)

المفهوم: مع توسع القاهرة والمدن الكبرى، بدأت موجات الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة.

الأثر: ظهر التمايز الثقافي بين "ابن المدينة" و"ابن الريف"؛ حيث اعتُبرت لهجة الفلاح، وبساطة ملبسه، وعدم معرفته بتفاصيل الحياة المدنية الحديثة مدخلاً للسخرية والاستعلاء.

3. السينما والدراما المصرية (من الخمسينيات إلى التسعينيات)

المفهوم: لَعبت وسائل الإعلام والسينما الدور الأكبر في إرساء هذا النمط المتنمر.

الأثر: حُصرت شخصية الفلاح عقوداً في قالب "السذاجة"، و"الجهل"، و"الطيب المخدوع"، أو مصدر للفكاهة بسبب لهجته وتصرفاته، مما ثبّت الكلمة في الأذهان كشتيمة أو تقليل من العقلية.

4. انفتاح الثمانينيات وعصر "الخرسانة"

المفهوم: تغيرت القيم الاقتصادية، وأصبحت الثروة والسكن في المدينة هما المقياس الوحيد للوجاهة الاجتماعية.

الأثر: أصبحت كلمة "فلاح" تُستخدم وصفاً للرجعية أو عدم التحضر (حتى لو كان الشخص متعلماً)، مما دفع أبناء الريف للتخلي عن مظهرهم وزراعتهم للاندماج في نمط الحياة التجاري والعمراني.

لم تكن تجريف الأراضي الزراعية وبناؤها مجرد أزمة اقتصادية أو عمران يزحف على الأخضر، بل كانت في جوهرها أزمة مظهرها عمران وباطنها هربٌ من نظرات المجتمع. على مدار عقود، تحولت كلمة "فلاح" في الثقافة الشعبية المصرية من دلالة على الأصالة والإنتاج إلى مفردة تُستخدم للتقليل، والتهميش، والسخرية في الإعلام والحديث اليومي، مما زحزح قيمة الأرض في وجدان صاحبها.

رحلة الهروب من النعت

أمام هذا الضغط المجتمعي والمتواصل، وجد الفلاح نفسه يخوض معركة دائرية بين قساوة الفلاحة وتهميش المجتمع. لم يعد النضال محصوراً في مواجهة ارتفاع أسعار الأسمدة وتراجع عوائد المحاصيل، بل امتد إلى حماية أبنائه من وصمة لا ذنب لهم فيها.

تغيير النشاط بحثاً عن الوجاهة: أصبح تحويل الأرض من زراعية إلى سكنية أو تجارية تذكرة خروج سريعة من تصنيف "الفلاح" إلى فئة "صاحب العقار" أو "التاجر".

التضحية بالأمن الغذائي: بعاد الفلاح عن أرضه لم يكن كراهية للزراعة، بل كان فراراً من إهانات لفظية ودراما سينمائية حصرت شخصيته عقوداً في السذاجة والجهل.

النزوح نحو التجارة: حُسمت المعركة لصالح المحلات، والأبراج الخرسانية، والمشاريع التجارية التي تمنح صاحبها لقباً أسهل في القبول المجتمعي.

تكلفة التهميش الثقافي

عندما ينظر المجتمع إلى من يطعمه بنظرة استعلاء، تفقد الأرض قيمتها الرمزية. التجريف لم يكن مجرد جشع مادي، بل كان رد فعل نفسي لمحيط لم يرحم صاحب الجلباب واليد الخشنة

ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة المصرية والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تقدر خسائر الأراضي الطينية القديمة بنحو 1.2 إلى 2 مليون فدان على مدار العقود الأخيرة

النتيجة اليوم ليست فقط خسارة آلاف الأفدنة الخضراء وتحويلها إلى كتل من المسلح، بل فقدان أجيال كاملة لمهارات الزراعة والانتماء للتربة. إن إعادة الاعتبار لكلمة "فلاح" ليست مجرد رفاهية لغوية أو شعارات قومية، بل هي الخطوة الأولى لحماية ما تبقى من رقعة مصر الخضراء؛ فمن لا يحترم من يزرع، لن يجد غداً من يطعمه .

آخر الأخبار
اعلن معنا